أبي حيان التوحيدي

41

المقابسات

ما يكون زلفى إلى بسط اليد له بالنوال ، غير حامل نفسه من العناء إلا على ما يسبك به حكايته في الغريب من قوالب الإعراب ، وما يسند به روايته إلى بعض جفاة الأعراب ، نفيا لدغله ، وتوصلا إلى امله . ورواتنا رحمهم اللّه وإن لم يستطيعوا أن يخدموا التاريخ بصدق الرواية ، وتمحيص الحقيقة ، فقد أهدوا إلى الأدب العربي بما ابتدعوه فيه من الأساليب ، وما اخترعوه من المناحى والتراكيب - طرفا حلت من نفوس المتأدبين محلا عجيبا ، وإن كانت في عيون النبلاء من أهل الأدب وأولى التحقيق ، قذى حال بينهم وبين ما يشتهون من الوقوف على ما اعتور الانشاء العربي في أطواره ، من أصول نشئه وأسرار ارتقائه . أدر طرفك في مناظرة النعمان وأصحابه لكسرى أنوشروان ، ووصف الجارية التي زعموا أن المنذر بن ماء السماء أهداها ملك الفرس . وغير ذلك مما طغت به كتب الأدب ، ونسب إلى جاهلية العرب . بل انظر الرسالة المعزوة إلى أبى عبيدة التي افتروها على أبى بكر وعمر في حق على كرم اللّه وجهه . ونعت الأسد في حضرة عثمان بن عفان وما قاله لواصفه . واعرض ذلك وأمثاله على ميزان عقلك ومحك رويتك ، وبعد أن تجرد نفسك من ثياب الهوى ، وتطلقها من قيود التقليد ، قفنى على واضعها : أبدوي هو أم حضرى ؟ وسليقى أم صناعي ؟ وفي أي طور من أطوار الكتابة أنشئت ؟ ولأي قصد صنعت ؟ هذا قليل من كثير ، وثمد من غزير من منثور الكلام ؛ أما منظومه فحدث في دخيله عن البحر ولا حرج » هذا ما بلغ إليه تفكيري في شأن هذه الرسالة منذ سبعة عشر عاما . ومع هذا فقد كنت وما أزال كثير الحث لإخوانى على قراءتها والانتفاع بأسلوبها العالي ، وموضوعها الراقي ، ومعانيها الفريدة ، وعباراتها البليغة ، وألفاظها المنتقاة ، وكلماتها المصطفاة ؛ لأنها من أفضل الرسائل التي يحذوها الكاتب ، ويقفوها الأديب . ثم ما زلت مولعا بها إلى أن وقع في يدي كتاب نهج البلاغة بشرح